السعيد شنوقة

191

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

أما عند أهل السنة فمعناه أن للأفعال تعلقا بنا من جهة الكسب غير أنها من جهة الخلق والإيجاد من الله تعالى ، أما بوصفها طاعة أو معاصي فمن العبد ؛ فهم يفرقون بين فعل الخلق الذي هو لله تعالى مثلما ذكر هذا ابن المنير وذلك ليحققوا القدرة الإلهية المطلقة وبين الكسب الذي للعبد ليثبتوا مسؤولية الإنسان عن عمله . ويبدو أن هذا يدل على توسطهم بين القائلين بالجبر المطلق وبين ما ذهب إليه المعتزلة القائلين بالقدرة الإنسانية المستقلة عن الله سبحانه . بيد أن الخلق أخذ وجوها متعددة لدى المعتزلة من إيجاد وتكوين وإرادة وفكر وتقدير « 1 » . ولعل التدقيق معهم في هذا يدفع بالدارس إلى التمييز بين صيغتين في الخلق عندهم : الأولى : تقدم الخلق بوصفه إيجادا وتكوينا وابتداء وفعلا ليس بآلة ولا بتوسط من قوة . ولا يمكن إطلاق هذا على الإنسان لتعذر قدرته على أفعاله ابتداء لا في محل ؛ ولأنه يقدر عليها على جهة المباشرة والتوليد وبتوسط الآلات والقوى . الثانية : طرح فيها الخلق وعدّ تقديرا يمكن إطلاقها على الإنسان أيضا طالما أن أفعاله تقع منه مقدرة بقدرة على حسب الغرض والداعي المطلوب « 2 » . بيد أن

--> - يتبلور هذا المذهب إلا مع الأشعري ومن تابعه . وقد جاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه : الأول : بمعنى عقد القلب وعزمه . الثاني : كسب المال من التجارة . الثالث : السعي والعمل . والكسب قالت به الفرق كلها لكنهم اختلفوا في حقيقته . قالت المعتزلة : هو إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته واستقلاله وليس لله صنع فيه ، ولا هو خالق لفعله ولا مكونه ولا مريده . وقالت الجبرية : الكسب اقتران الفعل بالقدرة الحادثة من غير أن يكون لها فيه أمر . أما أهل السنة فالكسب عندهم هو المتعلق بالقادر على غير جهة الحدوث أو هو المقدور بقدرة محدثة وليس معنى قدرة أنها قدرة على وجوده إذ القادر على وجوده هو الله وحده ؛ فتعلق الكسب بالقدرة الحادثة إنما هو تعلق ليس من باب الحدوث والوجود عندهم . وهم قالوا : الكسب وقوع الفعل بقدرة محدثة والواقع منه بقدرة قديمة هو الفاعل الخالق والواقع منه بقدرة محدثة مكتسب . انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق هلموت ريتر ، ج 1 ، ص 539 وما بعدها . وقال الماتريدي ( ت 333 ه ) : الكسب حقيقة الفعل هو للعباد من طريق الكسب ولله تعالى من طريق الخلق : التوحيد ، ص 91 - ، 228 وانظر الآمدي سيف الدين ( ت 631 ه ) ، غاية المرام في علم الكلام ، ص 223 ، وابن القيم الجوزية ( ت 751 ه ) ، شفاء العليل ، ص 120 - 121 - 130 ، والجرجاني ( ت 816 ه ) التعريفات ، ص ، 118 ومحمد عبد الرؤوف المناوي ( 1031 ه ) ، التوقيف على مهمات التعاريف ، ص 603 . ( 1 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر عند المعتزلة ، ص 221 - 222 - 223 . ( 2 ) الخالق عند المعتزلة معناه حر المشيئة فاعل بحريته وقدرته على الكسب والاكتساب أي مسؤول عما -